حين يدخل المواطن متجرًا اعتاد الشراء منه، يتذكر السعر القديم قبل أن يسأل عن الجديد. هذه العادة الصغيرة تقول شيئًا مهمًا عن علاقتنا بالغلاء؛ فنحن لا نحسب تكلفة السلعة وحدها، بل نقارنها بما كنا نستطيع شراءه بالأجر نفسه منذ شهور. ومع كل زيارة يصبح السؤال عن سبب الزيادة جزءًا ثابتًا من الحديث بين البائع والمشتري.
اللافت أن الأسعار ترتفع بسرعة حين تتغير تكلفة النقل أو المواد الخام، لكنها لا تعود بالسرعة ذاتها عندما تهدأ الضغوط. للبائع حساباته التي لا نراها كلها، من إيجار المحل إلى أجور العمال، لكن من حق المستهلك أيضًا أن يفهم كيف يتحدد السعر، وألا يسمع تفسيرًا مختلفًا عند كل زيارة. الوضوح هنا لا يقل أهمية عن رقم مكتوب على الرف.
لا أطالب التاجر بأن يبيع بخسارة، ولا أتصور أن حركة السوق يمكن ضبطها بقرار واحد. ما أتمناه هو منافسة حقيقية تجعل السعر الجيد فرصة للمشتري وللتاجر معًا. عندما تكون البدائل متاحة والمعلومات واضحة، يصبح التنافس على الجودة والخدمة والثمن أكثر فاعلية من المشاجرات اليومية حول فاتورة الشراء.
المشكلة أن الأسرة لا تستطيع تأجيل كل احتياجاتها. قد تؤخر شراء هاتف أو قطعة أثاث، لكنها لن تؤخر الطعام والدواء ومصاريف المدرسة بالطريقة نفسها. لذلك تشعر الفئات محدودة الدخل بكل زيادة صغيرة وكأنها قرار كبير يخص مستقبل الشهر كله. ليست المسألة شكوى عابرة، وإنما محاولة مستمرة للموازنة بين ضروريات لا تقبل الاختفاء.
من المفيد أن نغير نحن أيضًا طريقة السؤال. بدل الاكتفاء بعبارة «كل شيء غلي»، يمكن مقارنة أسعار أكثر من متجر، والانتباه إلى وزن العبوة وجودتها، ومراجعة ما نشتريه بدافع الاعتياد لا الحاجة. لا تحل هذه التصرفات أزمة الأسعار، لكنها تمنح الأسرة مساحة محدودة لاتخاذ قرار أفضل بدل الاستسلام لأول رقم يُعرض أمامها.
يبقى الأهم أن يشعر المواطن بأن السوق مفهوم، وأن السعر له أسباب يمكن مناقشتها ومحاسبة المبالغين فيها. الاقتصاد عند الناس ليس رسمًا بيانيًا، بل قائمة مشتريات تُكتب على ورقة صغيرة قبل الخروج من البيت. وكل حديث جاد عن الأسعار يبدأ باحترام هذه الورقة وما تمثله من تعب وقلق وأحلام مؤجلة.